في لحظة دولية مثقلة بالارتباك الصحي وتآكل الثقة، أطلقت منظمة الصحة العالمية نداءً غير اعتيادي بمناسبة اليوم العالمي للصحة 2026: «معًا من أجل الصحة… قفوا مع العلم». دعوة تبدو في ظاهرها تقليدية، لكنها في عمقها تعكس قلقًا متصاعدًا داخل المؤسسات الصحية العالمية من تحوّل أخطر من الأوبئة نفسها: تراجع الإيمان بالعلم.
الرسالة هذه المرة ليست تقنية ولا بروتوكولية، بل سياسية بامتياز. فالعلم، الذي كان لعقود المرجعية الأولى في السياسات الصحية، أصبح اليوم محل تشكيك، في ظل انتشار المعلومات المضللة، وتنامي خطاب الشك، وتراجع الثقة في المؤسسات. وهو ما يجعل المعركة الصحية الراهنة مزدوجة: مواجهة الأمراض من جهة، واستعادة مصداقية المعرفة العلمية من جهة أخرى.
المنظمة شددت في بيانها على أن القرارات الصحية لا يمكن أن تُبنى على الانطباعات أو الضغوط، بل على الأدلة والبحوث، محذّرة من أن الابتعاد عن هذا المسار يهدد بتقويض ما تحقق من تقدم في مجالات الوقاية والعلاج. وفي هذا السياق، أعادت التأكيد على أن الاستثمار في العلم ليس ترفًا، بل ضرورة وجودية لضمان الأمن الصحي العالمي.
اللافت في خطاب 2026 هو التركيز الواضح على مفهوم “الصحة الواحدة”، الذي يربط بين صحة الإنسان والحيوان والبيئة، في اعتراف ضمني بأن الأزمات الصحية الحديثة لم تعد معزولة، بل متشابكة ومعقدة، تتطلب تنسيقًا يتجاوز الحدود والقطاعات. فالأمراض لم تعد مجرد حالات طبية، بل أصبحت نتاج اختلالات بيئية واقتصادية وسلوكية متداخلة.
لكن خلف هذا الطرح العلمي، يبرز سؤال أكثر إلحاحًا: لماذا تحتاج منظمة بحجم ومكانة منظمة الصحة العالمية إلى دعوة الناس للوقوف مع العلم؟ الجواب يكمن في التحولات العميقة التي شهدها العالم بعد جائحة كوفيد-19، حيث لم تعد المعلومة العلمية محصّنة، بل أصبحت عرضة للتسييس والتشكيك، بل وحتى الرفض.
الحملة التي أطلقتها المنظمة لن تقتصر على يوم رمزي، بل ستمتد على مدار العام، في محاولة لإعادة بناء الجسور بين العلم والمجتمع، وإشراك الأفراد في النقاش الصحي العالمي. غير أن نجاح هذه المبادرة سيظل رهينًا بقدرة المؤسسات على استعادة ثقة فقدت جزءًا كبيرًا من رصيدها، ليس فقط بسبب الشائعات، بل أيضًا بسبب التفاوت الصارخ في الوصول إلى الرعاية الصحية بين الدول.
مالك سعدو