في خطوة تعكس تحوّلاً لافتاً في مقاربة السلطات الصحية لواحد من أخطر التحديات الصامتة، أشرف وزير الصحة، البروفيسور محمد صديق آيت مسعودان، صباح اليوم الإثنين 6 أفريل 2026، على تدشين أول وحدة متخصصة في التكفل بالسمنة على المستوى الوطني، وذلك بعيادة ارزقني كحال التابعة للمؤسسة العمومية الاستشفائية جيلالي بلخنشير بالأبيار.
هذا المشروع لا يندرج في خانة التوسعات العادية للخدمات الصحية، بل يمثل مؤشراً واضحاً على إدراج السمنة ضمن أولويات الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الأمراض غير المتنقلة، في ظل تزايد القلق من تداعياتها الصحية المتشعبة، التي باتت تُصنّف كتهديد حقيقي للصحة العمومية في الجزائر، على غرار ما هو مسجل عالمياً.
الوحدة الجديدة، التي تُعد الأولى من نوعها في البلاد، تعتمد مقاربة علاجية حديثة متعددة التخصصات، مستوحاة من المعايير الدولية، خاصة تلك المعتمدة من طرف European Association for the Study of Obesity. وهي مقاربة تقوم على تجاوز العلاج التقليدي نحو تكفل شامل يأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الطبية، النفسية، والسلوكية للمرض.
وعلى مستوى البنية، تم تجهيز الوحدة بهياكل متكاملة تشمل أجنحة استشفاء منفصلة للرجال والنساء، مكاتب استشارات متخصصة، فضاءات للتربية العلاجية، وأخرى مخصصة لإعادة التأهيل وممارسة النشاط البدني المكيف. هذا التنظيم يعكس توجهاً نحو بناء مسار علاجي متكامل، بدل الاكتفاء بالتدخلات الظرفية.
وزير الصحة اعتبر أن إطلاق هذه الوحدة يمثل “خطوة نوعية” نحو تحسين الولوج إلى خدمات صحية متخصصة، مع التركيز على الحد من المضاعفات الخطيرة المرتبطة بالسمنة، مثل أمراض القلب والسكري. كما أشاد بمستوى الجاهزية والخدمات المرتقبة، مؤكداً أن هذا النموذج مرشح للتعميم عبر مختلف المؤسسات الاستشفائية مستقبلاً.
من جهة أخرى، يقوم عمل الوحدة على فريق طبي وشبه طبي مؤهل، يضم أربعة أطباء مختصين في علاج السمنة، إلى جانب خبراء في علم النفس والتغذية، يعملون وفق تنسيق يقوده البروفيسور عمار طبايبية. هذا التكامل البشري يعكس إدراكاً متزايداً بأن السمنة ليست مجرد خلل غذائي، بل مرض معقد متعدد الأبعاد.
أما على الصعيد التقني، فقد تم تزويد الوحدة بأجهزة حديثة تسمح بإجراء تقييمات دقيقة، تشمل قياس مكونات الجسم، تحاليل بيولوجية شاملة، فحوصات قلبية، إلى جانب الكشف المبكر عن المضاعفات المحتملة. كما تتوفر تجهيزات مخصصة لإعادة التأهيل البدني، في إطار خطة علاجية متكاملة.
ويعتمد التكفل بالمرضى على برنامج يبدأ بتقييم شامل، يليه إعداد خطة علاج فردية تشمل المتابعة الطبية، التوجيه الغذائي، الدعم النفسي، وممارسة النشاط البدني، مع ضمان متابعة مستمرة لتقييم النتائج وتعديل المسار العلاجي عند الحاجة.
إطلاق هذه الوحدة يفتح الباب أمام مرحلة جديدة في التعامل مع السمنة في الجزائر: من مجرد ظاهرة اجتماعية إلى ملف صحي استراتيجي. وبينما يبقى التحدي الأكبر هو تعميم هذا النموذج وضمان استدامته، فإن الرسالة أصبحت واضحة: السمنة لم تعد قضية فردية، بل أولوية وطنية تستدعي استجابة هيكلية.
مريم عزون