في وقت كان يُفترض فيه أن يقترب العالم من إنهاء وفيات الأطفال التي يمكن الوقاية منها، تكشف المعطيات الجديدة الصادرة عن منظمة الصحة العالمية عن واقع مقلق: نحو 4.9 ملايين طفل فقدوا حياتهم قبل بلوغ سن الخامسة خلال عام 2024، في مؤشر واضح على أن التقدم العالمي لم يعد يسير بالوتيرة المطلوبة، بل بدأ يفقد زخمه بشكل ملحوظ.
هذه الأرقام لا تعكس مجرد أزمة صحية، بل تعيد طرح سؤال جوهري حول فعالية السياسات الدولية في حماية الفئات الأكثر هشاشة. فبعد عقود من الانخفاض المتواصل في معدلات وفيات الأطفال، تشير البيانات إلى أن التحسن الذي تحقق منذ بداية الألفية بدأ يتباطأ بشكل حاد منذ عام 2015، ما يهدد المسار العام لتحقيق أهداف التنمية بحلول عام 2030.
الأخطر أن ما يقارب نصف هذه الوفيات يحدث في الأيام والأسابيع الأولى من الحياة، حيث سجلت وفيات حديثي الولادة نحو 2.3 مليون حالة، وهو ما يعكس هشاشة أنظمة الرعاية الصحية الأولية، خاصة في ما يتعلق بصحة الأم والطفل. فهذه المرحلة الحرجة، التي يمكن فيها إنقاذ الأرواح بتدخلات بسيطة ومنخفضة التكلفة، لا تزال تمثل نقطة الفشل الأكبر في العديد من الدول.
ورغم أن الأسباب المؤدية إلى هذه الوفيات معروفة منذ سنوات — من التهابات رئوية وإسهال وملاريا إلى مضاعفات الولادة المبكرة — فإن استمرارها بهذا الحجم يكشف خللاً أعمق من مجرد نقص في الحلول الطبية. المشكلة، كما يوحي التقرير، تكمن في فجوة التنفيذ: غياب العدالة في الوصول إلى الرعاية، ضعف التمويل، وهشاشة الأنظمة الصحية في المناطق الأكثر فقراً أو المتأثرة بالنزاعات.
التفاوت الجغرافي يظل العنوان الأبرز لهذه الأزمة الصامتة. ففي حين تقترب بعض الدول من القضاء شبه الكامل على وفيات الأطفال، لا تزال مناطق واسعة، خاصة في إفريقيا جنوب الصحراء، تسجل معدلات مرتفعة بشكل لافت، ما يجعل مكان الولادة عاملاً حاسماً في فرص البقاء على قيد الحياة.
كما يربط التقرير هذا التباطؤ بعوامل مركبة تتجاوز القطاع الصحي، من بينها النزاعات المسلحة، والتغيرات المناخية، وتراجع التمويل الدولي، وهي كلها عناصر تسهم في إضعاف الأنظمة الصحية وتقليص فرص الوصول إلى الخدمات الأساسية.
في المحصلة، لا تبدو المشكلة في غياب المعرفة أو الحلول، بل في غياب الإرادة الكافية لتعميمها. فمعظم هذه الوفيات، كما تؤكد المنظمات الدولية، كان يمكن تفاديها بتدخلات بسيطة ومجربة. لكن استمرارها بهذا الحجم يطرح تساؤلاً حاداً: هل لا يزال إنقاذ حياة الأطفال أولوية عالمية، أم أنه تحول إلى هدف مؤجل في أجندة دولية مثقلة بالأزمات؟
مريم عزون