تكشف دراسة علمية حديثة عن جانب مقلق من واقع الرعاية الصحية في وحدات العناية المركزة لحديثي الولادة، حيث يمكن لبكتيريا واحدة أن تنتشر بصمت داخل المستشفى وتصيب عشرات، بل مئات الأطفال. فقد سلطت دراسة نشرت في مجلة PLOS Global Public Health الضوء على ديناميكيات انتقال بكتيريا Klebsiella pneumoniae داخل وحدة العناية المركزة لحديثي الولادة في أحد المستشفيات في زامبيا، قبل وبعد تطبيق إجراءات لمكافحة العدوى.
وتعد هذه البكتيريا من أبرز مسببات الإنتان لدى حديثي الولادة، خاصة في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، حيث يؤدي انتشار السلالات المقاومة للمضادات الحيوية إلى مضاعفة خطر الوفاة لدى الرضع.
اعتمد الباحثون على تحليل جيني متقدم لعشرات السلالات البكتيرية المعزولة من عينات دم أطفال أصيبوا بتسمم الدم داخل وحدة العناية المركزة. وقد شملت الدراسة أكثر من 400 حالة عدوى مؤكدة، مما أتاح للعلماء تتبع مسارات انتقال البكتيريا داخل القسم الطبي بدقة غير مسبوقة.
وأظهرت النتائج وجود تنوع وراثي كبير في السلالات، حيث تم تحديد 24 نمطاً جينياً مختلفاً من بكتيريا Klebsiella pneumoniae. غير أن سلالة واحدة، تعرف باسم ST307، كانت المهيمنة بشكل واضح، إذ شكلت نحو ثلثي الإصابات المسجلة خلال فترة الدراسة.
الأكثر إثارة للقلق أن التحاليل الجينية كشفت أن الغالبية الساحقة من هذه السلالات تحمل آليات مقاومة قوية للمضادات الحيوية، خاصة إنزيمات “بيتا لاكتاماز واسعة الطيف”، التي تعطل فعالية العديد من العلاجات المستخدمة عادة في المستشفيات.
لكن المفاجأة الكبرى التي كشفتها الدراسة كانت مرتبطة بطريقة انتشار العدوى. فقد تبين أن أكثر من 95 في المائة من الحالات كانت مرتبطة بسلاسل انتقال داخل المستشفى نفسه، ما يعني أن البكتيريا كانت تنتقل بين المرضى داخل وحدة العناية المركزة، مكونة مجموعات وبائية استمرت لأشهر.
وفي إحدى هذه السلاسل الوبائية، تم تسجيل إصابة أكثر من مئتي طفل بسلالة بكتيرية متقاربة وراثياً، ما يشير إلى تفشٍ طويل الأمد داخل الوحدة الطبية.
في محاولة لاحتواء الوضع، قامت إدارة المستشفى بتطبيق حزمة من إجراءات مكافحة العدوى منخفضة التكلفة، شملت تعزيز نظافة الأيدي، وتحسين بروتوكولات التعقيم، وتنظيم أفضل لطرق التعامل مع المرضى والمعدات الطبية.
وقد أظهرت النتائج أن هذه الإجراءات ساهمت بالفعل في تقليص انتشار بعض السلالات البكتيرية، إذ توقفت إحدى أكبر سلاسل العدوى بعد أسابيع قليلة من بدء تطبيق التدابير الوقائية.
غير أن الدراسة تشير في الوقت نفسه إلى أن المشكلة لم تختفِ بالكامل، إذ ظهرت لاحقاً سلالات جديدة أو عادت بعض السلالات للانتشار مجدداً، ما يدل على أن مصادر التلوث داخل المستشفى قد تكون متعددة، وتشمل البيئة المحيطة أو الأدوات الطبية أو انتقال العدوى بين المرضى.
ويرى الباحثون أن هذه النتائج تبرز التحديات الكبيرة التي تواجهها المستشفيات في مكافحة العدوى داخل وحدات حديثي الولادة، حيث يتطلب الحد من انتشار البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية اعتماد استراتيجيات مستدامة للمراقبة والوقاية، إلى جانب تحسين شروط النظافة والتعقيم بشكل دائم.
وتؤكد الدراسة في النهاية أن فهم كيفية انتقال البكتيريا داخل المستشفيات لم يعد مجرد مسألة علمية، بل أصبح ضرورة ملحة لحماية الفئة الأكثر هشاشة في النظام الصحي: الأطفال حديثو الولادة.
مريم عزون