‎مرضى السكري وصحة الفم في رمضان: توازن دقيق بين التحكم الاستقلابي وسلامة اللثة

يُعدّ داء السكري من أكثر الأمراض المزمنة ارتباطًا بمضاعفات فموية مثبتة علميًا. فالعلاقة بين السكري وأمراض اللثة ليست علاقة عرضية، بل هي علاقة ثنائية الاتجاه تؤكدها الدراسات الإكلينيكية: ارتفاع سكر الدم يزيد من قابلية الإصابة بالتهاب اللثة ودواعم السن، والالتهاب اللثوي المزمن قد بدوره يساهم في صعوبة ضبط سكر الدم.

خلال شهر رمضان، يتغير النمط الغذائي وتوقيت الوجبات، وقد يحدث تذبذب في مستويات الغلوكوز لدى بعض المرضى، خصوصًا إذا لم يكن المرض مضبوطًا قبل بدء الصيام. هذا التذبذب لا يؤثر فقط على التوازن الاستقلابي العام، بل ينعكس أيضًا على البيئة الفموية.

من الناحية الفيزيولوجية، يؤدي ارتفاع سكر الدم المزمن إلى تغيّرات في الأوعية الدموية الدقيقة وإضعاف الاستجابة المناعية الموضعية، ما يزيد من قابلية اللثة للالتهاب ويؤخر التئام الجروح. كما أن ارتفاع الغلوكوز في اللعاب قد يعزز نمو بعض أنواع البكتيريا الممرِضة. لذلك يُلاحظ لدى مرضى السكري غير المتحكم فيه ازدياد في نزف اللثة، تورمها، أو حتى تحرك الأسنان في المراحل المتقدمة من التهاب دواعم السن.

في رمضان، قد يواجه بعض المرضى تحديين متوازيين: فترات صيام طويلة قد تؤدي إلى جفاف نسبي في الفم، يقابله أحيانًا إفراط في تناول السكريات عند الإفطار. هذا التناقض قد يخلق بيئة ملائمة لتراكم اللويحة الجرثومية إذا لم تُتخذ إجراءات وقائية صارمة.

لكن من المهم التأكيد أن الدراسات لا تشير إلى أن الصيام بحد ذاته يسبب تدهورًا حتميًا في صحة الفم لدى مرضى السكري المستقرين. العامل الحاسم يبقى في درجة التحكم في سكر الدم قبل وأثناء رمضان. المريض الذي يحافظ على مستويات مستقرة، ويلتزم بخطته العلاجية، ويتابع قياس السكر بانتظام، يمكنه غالبًا الصيام دون مضاعفات فموية كبيرة، شرط المحافظة على عناية فموية دقيقة.

التوصيات الطبية واضحة: تنظيف الأسنان مرتين يوميًا بمعجون يحتوي على الفلورايد، استخدام الخيط السني، إجراء فحص دوري للثة، وشرب كميات كافية من الماء بين الإفطار والسحور. كما يُنصح بتجنب الإفراط في الحلويات المركزة، ليس فقط لأسباب استقلابية، بل أيضًا للحد من الحمل الجرثومي الفموي.

أما المرضى الذين يعانون من سكري غير متحكم فيه، أو من التهابات لثوية نشطة، أو من تقرحات فموية متكررة، فيحتاجون إلى تقييم طبي قبل اتخاذ قرار الصيام. لأن استمرار الالتهاب دون علاج قد يؤدي إلى مضاعفات تتجاوز حدود الفم، خاصة في ظل اضطراب الاستجابة المناعية.

الخلاصة أن صحة الفم لدى مريض السكري في رمضان ليست تفصيلًا ثانويًا، بل جزء لا يتجزأ من منظومة التحكم الشامل في المرض. الصيام يمكن أن يكون آمنًا لدى المرضى المستقرين، لكن الاستقرار الاستقلابي والعناية الفموية المنتظمة يظلان الشرط الأساسي لضمان أن يبقى الشهر فرصة للانضباط الصحي، لا سببًا لانتكاسة صامتة.

مالك سعدو

Comments (0)
Add Comment