تقرّحات الفم في رمضان: هل يلعب الجفاف دورًا حقيقيًا؟

تُعدّ التقرّحات الفموية المتكررة، المعروفة طبيًا بالقرحات القلاعية، من أكثر اضطرابات الغشاء المخاطي الفموي شيوعًا. وهي آفات سطحية مؤلمة تصيب بطانة الخد أو الشفاه أو اللسان، وتتميز بطابعها الحميد رغم الإزعاج الذي تسببه. خلال شهر رمضان، يكثر التساؤل حول ما إذا كان الصيام عاملًا مباشرًا في ظهور هذه التقرحات أو تفاقمها.

من الناحية العلمية، لا توجد أدلة قوية تُثبت أن الصيام بحد ذاته يسبب القرحات الفموية. غير أن بعض العوامل المرتبطة بتغير الإيقاع اليومي في رمضان قد تلعب دورًا غير مباشر لدى الأشخاص المهيئين لذلك. الجفاف النسبي الناتج عن الامتناع عن السوائل لساعات طويلة قد يؤدي إلى انخفاض رطوبة الغشاء المخاطي، ما يجعله أكثر حساسية للرضوض البسيطة، كاحتكاك الطعام أو حواف الأسنان الحادة.

تُشير الدراسات إلى أن القرحات القلاعية ترتبط غالبًا بعوامل متعددة، منها الإجهاد النفسي، اضطراب النوم، نقص بعض العناصر الغذائية مثل الحديد أو فيتامين B12 أو حمض الفوليك، إضافة إلى الاستعداد المناعي الفردي. في رمضان، قد يتزامن تغير نمط النوم والسهر الطويل مع ضغط نفسي أو إرهاق جسدي، وهي عوامل معروفة بتأثيرها على المناعة الموضعية في الفم.

كما أن تغير العادات الغذائية قد يكون له أثر غير مباشر. فالإفراط في تناول أطعمة حارة أو حمضية أو غنية بالتوابل عند الإفطار قد يفاقم الألم في حال وجود قرحة، لكنه لا يُعدّ سببًا مباشرًا لظهورها. أما لدى الأشخاص الذين يعانون أصلًا من نقص غذائي غير مُشخَّص، فقد يساهم عدم توازن الوجبات في استمرار المشكلة.

من الزاوية الإكلينيكية، المرضى الذين يعانون من تقرحات عرضية خفيفة غالبًا ما يستطيعون الصيام دون مضاعفات حقيقية، مع الالتزام بترطيب كافٍ خلال ساعات الإفطار وتجنب الأطعمة المهيجة. أما في الحالات المتكررة جدًا أو الكبيرة أو التي تترافق مع أعراض عامة كفقدان الوزن أو الإسهال المزمن، فينبغي استشارة الطبيب للبحث عن أسباب جهازية محتملة، مثل اضطرابات المناعة أو أمراض الأمعاء الالتهابية.

العلاج في الغالب موضعي، باستخدام مراهم مضادة للالتهاب أو مطهرات فموية، ويهدف إلى تخفيف الألم وتسريع الالتئام. وتأجيل العلاج في الحالات المؤلمة بشدة قد يزيد من المعاناة دون فائدة تُذكر.

الخلاصة أن الصيام لا يُعدّ سببًا مباشرًا لتقرحات الفم، لكنه قد يتقاطع مع عوامل بيولوجية وسلوكية تسهم في ظهورها لدى الأشخاص المعرّضين. الاستقرار الغذائي، تنظيم النوم، والحفاظ على ترطيب جيد بعد الإفطار تبقى عناصر أساسية لتقليل احتمالية الانتكاس. وكما في سائر الحالات الصحية خلال رمضان، يبقى التقييم الفردي هو الفيصل بين تجربة روحية متوازنة ومعاناة يمكن تجنبها.

مالك سعدو

Comments (0)
Add Comment