يُعدّ شهر رمضان فترة تحوّل بيولوجي يومي، لا يقتصر تأثيره على الجهاز الهضمي أو النوم فحسب، بل يمتد أيضًا إلى صحة الفم والأسنان. فالتوقف عن الأكل والشرب لساعات طويلة يغيّر التوازن الطبيعي داخل الفم، حيث يلعب اللعاب دورًا محوريًا في حماية الأسنان واللثة.
تؤكد الأدبيات العلمية في طب الأسنان أن اللعاب ليس مجرد سائل مرطّب، بل هو عنصر دفاعي أساسي يحافظ على توازن الحموضة، ويحدّ من تكاثر البكتيريا، ويساهم في إعادة تمعدن طبقة المينا. وعندما تقلّ كمية اللعاب نتيجة الامتناع عن السوائل، قد يزداد الشعور بجفاف الفم، وهو ما يهيئ بيئة أكثر ملاءمة لنمو الجراثيم المسببة لتسوّس الأسنان والتهابات اللثة.
من الناحية الفيزيولوجية، ينخفض تدفق اللعاب بشكل طبيعي أثناء الصيام بسبب غياب التحفيز الغذائي والمائي. هذا الانخفاض قد يكون عابرًا وغير مؤذٍ لدى الأشخاص الأصحاء الذين يتمتعون بعناية فموية جيدة. غير أن المرضى الذين يعانون مسبقًا من التهاب اللثة المزمن، أو من قابلية عالية لتسوّس الأسنان، أو من أمراض تؤثر على إفراز اللعاب، قد يلاحظون تفاقمًا في الأعراض، مثل النزف اللثوي أو رائحة الفم الكريهة أو الإحساس بالحرقان.
تحدٍّ آخر يتمثل في تغير نمط الوجبات. فتركيز الطعام في فترتي الإفطار والسحور، خصوصًا إذا احتوى على سكريات أو أطعمة لاصقة، قد يزيد من الحمل الجرثومي إذا لم تتبعه عناية فموية مناسبة. كما أن السهر الطويل قد يؤدي إلى إهمال تنظيف الأسنان قبل النوم، وهي الفترة التي يكون فيها الفم أكثر عرضة لتكاثر البكتيريا بسبب انخفاض اللعاب الليلي.
في المقابل، لا تشير الدراسات السريرية إلى أن الصيام بحد ذاته يسبب أمراضًا فموية جديدة لدى الأشخاص الذين يحافظون على نظافة فموية منتظمة. العامل الحاسم يبقى في السلوك الوقائي: تفريش الأسنان بمعجون يحتوي على الفلورايد بعد الإفطار وقبل النوم، استخدام الخيط السني، والحفاظ على ترطيب كافٍ خلال ساعات الإفطار.
أما المرضى الذين يعانون من تقرّحات فموية متكررة أو التهابات لثوية حادة أو خراجات سنية، فيحتاجون إلى تقييم فردي. فالألم الشديد أو العدوى النشطة قد تتطلب علاجًا دوائيًا منتظمًا أو تدخلًا عاجلًا، وتأجيل العلاج قد يؤدي إلى مضاعفات أكبر من مجرد الإفطار.
الخلاصة الطبية أن صحة الفم خلال رمضان لا تنفصل عن التوازن البيولوجي العام. الصيام لا يشكّل خطرًا مباشرًا على الأسنان، لكنه يضع الجهاز الفموي أمام تحديات فسيولوجية تتطلب وعيًا وقائيًا. والقاعدة تبقى ثابتة: الاستقرار الصحي أولًا، والتنظيم الواعي للسلوك اليومي هو الضامن لأن يبقى الشهر عامل صفاء لا مصدر التهاب.
مالك سعدو