التعاون الصحي الجزائري–التونسي ينتقل من التنسيق إلى الشراكة التنفيذية

دخلت العلاقات الجزائرية–التونسية في المجال الصحي مرحلة جديدة، مع اختتام المباحثات الثنائية والموسعة التي جمعت وفدي وزارتي الصحة، والتي كرّست توجّهًا مشتركًا نحو تحويل التقارب السياسي والتاريخي إلى شراكة صحية استراتيجية قائمة على مشاريع ميدانية قابلة للتنفيذ.

وأكد وزير الصحة، البروفيسور محمد صديق آيت مسعودان، أن هذه اللقاءات شكّلت محطة مفصلية في مسار التعاون الثنائي، عكست مستوى متقدمًا من الانسجام في الرؤى والإرادة السياسية، وفتحت آفاقًا عملية لتعميق الشراكة، في ظل التحديات الصحية المتسارعة إقليميًا ودوليًا، حيث لم تعد القضايا الصحية قابلة للمعالجة في إطار وطني ضيق.

وأوضح الوزير أن الإرادة القوية التي تجمع قيادتي البلدين، رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون والرئيس التونسي قيس سعيد، وفّرت الأرضية السياسية اللازمة للارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستوى شراكة اندماجية، يكون فيها قطاع الصحة ركيزة أساسية لضمان الأمن الصحي وتحقيق التنمية المستدامة.

ومن جهته، شدّد وزير الصحة التونسي، الدكتور مصطفى الفرجاني، على أن المباحثات لم تقتصر على تبادل وجهات النظر، بل أسست لتعاون استراتيجي فعلي، انطلاقًا من تاريخ مشترك ورؤية موحّدة لمستقبل صحي يخدم المواطن في البلدين، ويعزز العدالة في الولوج إلى خدمات صحية ذات جودة عبر مختلف المناطق.

واتفق الجانبان على جملة من الأولويات العملية، أبرزها تقريب الخدمات الصحية من المواطن، والتكفل بالأمراض الجديدة والمستجدة، ومكافحة الأمراض المنقولة عبر النواقل، إلى جانب تطوير التطبيب عن بعد والطب الإشعاعي عن بعد، وتعزيز التعاون في مكافحة السرطان والطب الجيني، باعتبارها مجالات تتطلب تنسيقًا عالي المستوى واستثمارًا مشتركًا في المعرفة والتكنولوجيا.

كما شملت محاور التعاون مجالات الرقمنة الصحية، والبحث العلمي الطبي، وزراعة الأعضاء، وترقية مقاربة “الصحة الواحدة”، بما ينسجم مع التحولات العميقة التي يشهدها قطاع الصحة عالميًا، والحاجة المتزايدة إلى أنظمة صحية أكثر مرونة وقدرة على الاستجابة للأزمات العابرة للحدود.

وفي خطوة عملية تعكس الانتقال من التصريحات إلى التنفيذ، تم الاتفاق على تشكيل فريق عمل مشترك مكلف بوضع وتنفيذ خطة عمل واضحة، تضمن تجسيد ما تم التوصل إليه ميدانيًا. كما أتاحت الزيارات الميدانية إلى عدد من الهياكل الصحية الجزائرية للوفد التونسي الاطلاع عن قرب على التجربة الجزائرية، وفتح آفاق جديدة لتبادل الخبرات، وتعزيز فرص الشراكة والاستثمار المشترك في القطاع الصحي.

وفي بعده الرمزي، استحضر الجانبان العمق التاريخي للعلاقات الثنائية، الذي تجسّد في أحداث ساقية سيدي يوسف، باعتبارها رمزًا للتلاحم والتضامن بين الشعبين، وأحد مرتكزات بناء تعاون قائم على الثقة والمصير المشترك.

وفي ختام الزيارة، وجّه وزير الصحة التونسي دعوة رسمية لنظيره الجزائري لزيارة تونس، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة ستشهد الانطلاق الفعلي في تنفيذ المشاريع المتفق عليها، بما يرسّخ الشراكة الصحية الجزائرية–التونسية كنموذج إقليمي للتكامل في خدمة المواطن

مريم عزون

Comments (0)
Add Comment