لم يعد التوتر حالة استثنائية مرتبطة بظرف عابر، بل تحوّل لدى شريحة واسعة من الناس إلى وضعية دائمة يعيش فيها الجسد والعقل تحت ضغط مستمر. هذا التوتر المزمن لا يظهر فقط في شكل قلق نفسي، بل يترجم بيولوجيًا بارتفاع متواصل في هرمونات التوتر، وعلى رأسها الكورتيزول، ما يفتح الباب أمام سلسلة من الاضطرابات الصحية الصامتة. في هذا السياق، يلفت التدليك الانتباه كوسيلة بسيطة ظاهريًا، لكنها عميقة التأثير من الناحية الفسيولوجية.
عندما يتعرض الجسم للتدليك، سواء كان خفيفًا أو عميقًا، تبدأ استجابة معقدة داخل الجهاز العصبي. اللمس المنظم والمتكرر يرسل إشارات مباشرة إلى الدماغ تفيد بأن الجسم في وضع آمن، ما يؤدي إلى خفض نشاط الجهاز العصبي المسؤول عن التوتر والاستنفار. هذا التحول ينعكس بسرعة على معدل ضربات القلب والتنفس وضغط الدم، ويُسهم في تقليل إفراز الكورتيزول في الدم.
ولا يقف التأثير عند هذا الحد، إذ تشير المعطيات الصحية إلى أن التدليك يعزز في الوقت نفسه إفراز هرمونات مرتبطة بالراحة النفسية والشعور بالطمأنينة، مثل الإندورفين والسيروتونين. هذا التوازن الهرموني يفسر الشعور بالاسترخاء الذهني الذي يلي جلسات التدليك، وهو شعور لا يرتبط فقط بالراحة الجسدية، بل بتهدئة التفكير وتراجع الإحساس بالإجهاد الذهني.
من هنا، لا يمكن النظر إلى التدليك على أنه رفاهية أو ترف صحي، بل كأداة داعمة للصحة العامة، خصوصًا في مجتمعات بات فيها التوتر المزمن جزءًا من نمط الحياة اليومي. فالاستجابة البيولوجية للتدليك تُظهر بوضوح أن الجسد يمتلك آليات ذاتية للتعافي، متى توفرت له الظروف المناسبة.
فاطمة الزهراء عاشور