تشير دراسات علمية أصلية نُشرت في مجلات طبية مرموقة إلى أن النظام الغذائي المتوسطي لا يقتصر أثره على تحسين صحة القلب والوقاية من السكري فحسب، بل يمتد ليشمل خفض مخاطر الإصابة بعدة أنواع من السرطان. هذا النمط الغذائي، المستمد من تقاليد بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط، يقوم على الإكثار من الخضروات والفواكه والحبوب الكاملة والبقوليات والمكسرات، مع اعتماد زيت الزيتون كمصدر رئيسي للدهون، والاستهلاك المعتدل للأسماك، والحد من اللحوم الحمراء والمنتجات الصناعية.
دراسة واسعة النطاق ضمن مشروع “EPIC” الأوروبي، الذي تابع عشرات الآلاف من الأشخاص عبر عدة دول، أظهرت أن الأشخاص الأكثر التزامًا بالنظام المتوسطي كانوا أقل عرضة للإصابة بالسرطان مقارنة بمن يتبعون أنماطًا غذائية فقيرة بالعناصر النباتية. وفي هولندا، بينت أبحاث امتدت لأكثر من عشرين سنة وشملت ما يزيد عن 120 ألف رجل وامرأة أن الالتزام بهذا النظام ارتبط بانخفاض ملموس في خطر الإصابة بسرطانات الرئة والمريء والمعدة، وكذلك سرطان الثدي بعد سن اليأس.
وفي شمال إفريقيا، كشفت دراسة مغربية واسعة أن الأشخاص الذين يتبعون نظامًا غذائيًا قريبًا من النمط المتوسطي يتمتعون بمعدلات أقل للإصابة بسرطان القولون والمستقيم. كما أظهرت أبحاث إيطالية أن هذا النمط الغذائي يرتبط بانخفاض مخاطر سرطانات الفم والحنجرة والمريء، وهي أمراض ترتبط عادة بالالتهاب المزمن وسوء التغذية.
ويعزو الباحثون هذا الأثر الوقائي إلى التركيبة الغنية للنظام المتوسطي، التي تجمع بين الألياف الغذائية، ومضادات الأكسدة، والدهون الأحادية غير المشبعة، إضافة إلى المركبات النباتية النشطة. هذه العناصر تساهم في تقليل الالتهابات المزمنة، وتحسين وظائف الجهاز المناعي، والحد من الإجهاد التأكسدي، وهي عوامل تلعب دورًا محوريًا في نشوء الخلايا السرطانية وتطورها.
ورغم أن العلماء يؤكدون أن أي نظام غذائي لا يمكن اعتباره علاجًا للسرطان، إلا أن تراكم هذه الأدلة العلمية يعزز فكرة أن التغذية المتوازنة على النمط المتوسطي تمثل أداة وقائية فعالة، خاصة عندما تكون جزءًا من نمط حياة صحي يشمل النشاط البدني وتجنب التدخين وتقليل استهلاك المنتجات المصنعة.
في عالم تتزايد فيه معدلات الأمراض المزمنة، يبرز النظام الغذائي المتوسطي بوصفه خيارًا عمليًا ومستدامًا، لا يقوم على الحرمان، بل على التوازن والاعتدال، ويمنح الأفراد فرصة حقيقية لتقليص مخاطر صحية جسيمة، وفي مقدمتها السرطان، اعتمادًا على أسس علمية متينة.
فاطمة الزهراء عاشور