تُعدّ مقاومة المضادات الحيوية من أخطر التحديات الصحية في القرن الحادي والعشرين. فمع الانتشار المتسارع لجينات المقاومة في البيئة، لم يعد الخطر محصوراً في المستشفيات أو داخل أجسام المرضى، بل امتدّ إلى التربة والمياه والغذاء. أحد أهم مصادر هذه الجينات هو روث الحيوانات في أنظمة التربية المكثفة، حيث تُستخدم المضادات الحيوية على نطاق واسع. وعندما يُستعمل هذا الروث كسماد زراعي تقليدي، يصبح قناة مباشرة لانتقال جينات المقاومة إلى التربة، ثم إلى النباتات، وصولاً إلى الإنسان.
الدراسة العلمية الحديثة المعنونة «آليات وتحديات تقليل جينات المقاومة للمضادات الحيوية عبر التسميد بالديدان» تقترح حلاً بيئياً مبتكراً لهذه المعضلة: التسميد الحيوي باستخدام ديدان الأرض، أو ما يُعرف بالـ Vermicomposting. هذا الأسلوب، الذي يُستخدم منذ سنوات لتحويل النفايات العضوية إلى سماد عالي الجودة، يظهر اليوم كأداة واعدة في الحد من انتشار جينات المقاومة في البيئة الزراعية.
تبيّن نتائج الدراسة أن التسميد بالديدان يتفوّق على التسميد التقليدي في تقليل تركيز جينات المقاومة، سواء من حيث النسبة أو الاستقرار عبر الزمن. ففي حين قد يشهد التسميد الكلاسيكي فترات “ارتداد” ترتفع فيها هذه الجينات من جديد بسبب ظروف غير متوازنة أو بسبب انتقالها بين البكتيريا، يوفّر التسميد بالديدان بيئة أكثر ثباتاً تحدّ من هذه الظاهرة.
يعود هذا الأثر الإيجابي إلى عدة آليات متداخلة. فحركة الديدان داخل الكتلة العضوية تحسّن التهوية والبنية الفيزيائية وتضبط الرطوبة ودرجة الحموضة، ما يخلق ظروفاً أقل ملاءمة للبكتيريا الحاملة لجينات المقاومة. كما تُعيد هذه العملية تشكيل المجتمع الميكروبي نفسه، إذ تتراجع البكتيريا الخطِرة لصالح أنواع أقل قدرة على حمل الجينات المقاومة أو نقلها. إلى جانب ذلك، تلعب إفرازات الديدان ومخاطها دوراً بيولوجياً مباشراً في إعاقة انتقال الجينات بين الكائنات الدقيقة، وهو المسار الرئيسي الذي تنتشر عبره المقاومة بسرعة في الطبيعة.
وتشير الدراسة إلى أن فعالية هذا الأسلوب يمكن أن تتعزز أكثر عند دمجه مع مواد مضافة مثل الفحم الحيوي أو المعادن الطينية، التي تسهم في تثبيت الظروف البيئية ومنع الضغوط التي تدفع البكتيريا إلى تطوير آليات مقاومة. وقد أظهرت التجارب أن التسميد بالديدان قادر على خفض جينات المقاومة بنسبة تتجاوز 50 في المئة، وتقليل العناصر الوراثية المسؤولة عن نقل هذه الجينات بنسب أعلى من ذلك، وهي نتائج تفوق بوضوح ما تحققه الطرق التقليدية.
غير أن الطريق نحو تعميم هذا الحل لا يخلو من التحديات. فنجاح العملية يعتمد على نوع الديدان المستخدمة، وتركيبة النفايات العضوية، ومستوى التلوث الأصلي بالمضادات الحيوية. كما أن التحكم في درجات الحرارة والرطوبة والتهوية يتطلب إدارة دقيقة، خاصة عند التفكير في تطبيق هذه التقنية على نطاق صناعي واسع. وهناك أيضاً تساؤلات علمية مفتوحة حول ما إذا كانت بعض جينات المقاومة قد تعاود النشاط بعد استخدام السماد في الحقول، تحت تأثير ظروف بيئية جديدة أو وجود ملوثات أخرى مثل المعادن الثقيلة.
لهذا السبب، يدعو الباحثون إلى تطوير نماذج هجينة تجمع بين مراحل معالجة متعددة، مثل المعالجة الحرارية الأولية متبوعة بالتسميد بالديدان، وإلى استخدام أدوات تحليل جزيئية متقدمة لتتبع مصير جينات المقاومة بدقة أكبر. كما يقترحون استكشاف إمكانات بيولوجية جديدة، بما في ذلك كائنات دقيقة قادرة على تفكيك هذه الجينات في المراحل النهائية من المعالجة.
تخلص الدراسة إلى أن ديدان الأرض قد تتحول من كائن بسيط في التربة إلى حليف استراتيجي في معركة عالمية ضد مقاومة المضادات الحيوية. فهي لا توفّر فقط سماداً عضوياً آمناً وفعّالاً، بل تفتح أيضاً أفقاً جديداً لإدارة النفايات الزراعية بطريقة تحمي صحة الإنسان والبيئة في آن واحد. غير أن تحويل هذا الأمل العلمي إلى حل عملي واسع النطاق يتطلب استثماراً بحثياً وتكنولوجياً مستمراً، يوازن بين الطموح البيئي ومتطلبات السلامة طويلة المدى.
فاطمة الزهراء عاشور