أعلنت منظمة الصحة العالمية، في 6 جانفي 2026، عن تحقيق إنجاز صحي عالمي غير مسبوق، تمثل في انخفاض عدد السكان الذين يحتاجون إلى تدخلات صحية للوقاية والعلاج من مرض التراخوما إلى أقل من 100 مليون شخص لأول مرة منذ بدء الرصد العالمي لهذا المرض. ويُعد هذا التقدم محطة فارقة في مسار مكافحة أحد أخطر الأمراض المدارية المهملة، والذي يُعتبر السبب المعدي الرئيسي للعمى في العالم.
ويُظهر أحدث تقييم للمنظمة أن عدد الأشخاص الذين يحتاجون إلى تدخلات للسيطرة على التراخوما بلغ حوالي 97.1 مليون شخص إلى غاية نوفمبر 2025، مقارنة بنحو 1.5 مليار شخص كانوا معرضين للإصابة ويحتاجون إلى تدخلات وقائية وعلاجية سنة 2002، ما يعكس تراجعًا لافتًا بنسبة تقارب 94% خلال عقدين فقط. هذا التقدم الكبير يعكس فعالية الجهود الدولية المتواصلة التي جرى تنفيذها على مستوى المجتمعات الأكثر هشاشة.
والتراخوما مرض بكتيري تسببه بكتيريا Chlamydia trachomatis، وينتشر أساسًا في المناطق التي تعاني من نقص المياه النظيفة وسوء الصرف الصحي وضعف شروط النظافة. وتؤدي العدوى المتكررة إلى تندب الجفن وانقلاب الرموش نحو الداخل، ما يتسبب في خدش القرنية وقد ينتهي بعمى دائم في حال غياب العلاج المناسب.
وترجع منظمة الصحة العالمية هذا التراجع التاريخي إلى التطبيق الواسع لاستراتيجية “SAFE” المعتمدة دوليًا، والتي تجمع بين الجراحة لعلاج الحالات المتقدمة، واستخدام المضادات الحيوية للقضاء على العدوى، وتعزيز نظافة الوجه، وتحسين الظروف البيئية للحد من انتقال المرض. وقد مكّن هذا النهج المتكامل من إحداث تغيير مستدام في العديد من المناطق الموبوءة.
وفي هذا السياق، أكدت المنظمة أن 27 دولة حول العالم حصلت على التصديق الرسمي بالقضاء على التراخوما كمشكلة صحية عمومية، من بينها دول في إفريقيا وآسيا والمحيط الهادئ، وهو ما يعكس الطابع العالمي لهذا النجاح ويبرز قدرة الأنظمة الصحية، متى توفرت الإرادة والدعم، على مواجهة الأمراض المهملة بفعالية.
كما لعب التعاون الدولي دورًا محوريًا في هذا الإنجاز، خاصة من خلال الشراكات بين الحكومات والمنظمات غير الحكومية والقطاع الخاص. وقد ساهم التبرع بأكثر من 1.1 مليار جرعة من المضاد الحيوي أزيثروميسين في توسيع نطاق العلاج الجماعي وتسريع وتيرة السيطرة على المرض في المناطق عالية الخطورة.
ورغم هذا التقدم المشجع، تحذر منظمة الصحة العالمية من أن التحديات لا تزال قائمة، إذ لا يزال نحو 100 مليون شخص في حاجة إلى تدخلات وقائية وعلاجية، كما يُقدّر العجز المالي المطلوب لاستكمال الجهود والقضاء النهائي على التراخوما بحلول عام 2030 بحوالي 300 مليون دولار، تشمل تمويل العمليات الجراحية، وتوفير الأدوية، وتنفيذ المسوحات الوبائية، ودعم البحث العلمي.
ويؤكد هذا الإنجاز أن الاستثمار طويل الأمد في الصحة العمومية، وتحسين شروط العيش، وتعزيز الوقاية المجتمعية، يمكن أن يحقق نتائج ملموسة حتى في أكثر الأمراض ارتباطًا بالفقر والتهميش، ويمنح أملًا حقيقيًا في عالم خالٍ من التراخوما خلال السنوات المقبلة.
مالك سعدو