عام 2025: عندما أصبح القضاء على سرطان عنق الرحم هدفًا عالميًا ممكنًا

لأكثر من عقود، ظلّ سرطان عنق الرحم واحدًا من أكثر أشكال الظلم الصحي فداحة في العالم. مرض يمكن الوقاية منه، ويمكن تفاديه بلقاح فعّال، ومع ذلك استمر في حصد مئات الآلاف من الأرواح سنويًا، أغلبهن من نساء يعشن في بلدان فقيرة أو متوسطة الدخل، حيث لا تصل الوقاية إلا متأخرة، إن وصلت أصلًا. في عام 2025، بدأ هذا الواقع يتصدع للمرة الأولى بشكل جدي.

فبحسب المعطيات الصحية الدولية، نجحت الجهود العالمية خلال هذا العام في تلقيح ما يقارب 86 مليون فتاة ضد فيروس الورم الحليمي البشري، المسبب الرئيسي لسرطان عنق الرحم. هذا الرقم لا يمثل توسعًا تقنيًا في برامج التطعيم فحسب، بل يعكس تحولًا عميقًا في مقاربة الصحة العالمية، من إدارة المرض والتعايش معه، إلى السعي الواقعي لاستئصاله.

سرطان عنق الرحم يُسجل سنويًا أكثر من 600 ألف إصابة جديدة، ويؤدي إلى ما يزيد عن 340 ألف وفاة. اللافت أن أكثر من 90 في المائة من هذه الوفيات تقع في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، ليس بسبب غموض المرض أو تعقيد علاجه، بل نتيجة غياب الوقاية والكشف المبكر. في دول الشمال، أدت برامج التلقيح والفحص الدوري إلى تراجع كبير في معدلات الإصابة، بينما ظل المرض في دول الجنوب “قاتلًا صامتًا”، يفتك بالنساء في سنّ النشاط الاقتصادي والإنجابي، خارج دائرة الاهتمام السياسي والإعلامي.

التحول الحاسم في 2025 جاء نتيجة قرار علمي جريء، تمثل في اعتماد نظام الجرعة الواحدة من لقاح فيروس الورم الحليمي البشري بدل النظام السابق القائم على جرعتين. هذا القرار، المدعوم بأدلة علمية قوية حول فعالية الجرعة الواحدة، أحدث تغييرًا جذريًا في قدرة الدول على تنفيذ حملات تطعيم واسعة النطاق. فقد خفّض التكاليف، وسهّل التخزين والتوزيع، وقلّص معدلات الانقطاع عن برامج التلقيح، خصوصًا في المناطق الريفية والنائية.

النتيجة كانت لافتة: دول إفريقية سجلت معدلات تلقيح تفوقت على دول أوروبية، في مفارقة تعكس أن توفر الموارد ليس دائمًا العامل الحاسم، بل وضوح الرؤية والالتزام السياسي. هذا التحول كسر سردية قديمة تعتبر أن الوقاية المتقدمة حكر على الدول الغنية، وأعاد طرح مفهوم العدالة الصحية كخيار عملي، لا كشعار أخلاقي فقط.

التقديرات الوبائية تشير إلى أن هذا التوسع غير المسبوق في التلقيح قد يساهم في تفادي نحو 1.4 مليون وفاة خلال العقود المقبلة. والأهم من ذلك، أن منظمة الصحة العالمية لم تعد تتحدث عن “خفض عبء المرض”، بل عن القضاء على سرطان عنق الرحم كتهديد للصحة العامة، وهو تحول لغوي يعكس تحولًا استراتيجيًا عميقًا في الطموح والقدرة.

ما يحدث في 2025 لا يعني أن سرطان عنق الرحم قد انتهى، لكنه للمرة الأولى فقد حصانته التاريخية. لقد انتقل من كونه مأساة مزمنة إلى مشكلة قابلة للحل، ومن قدر محتوم إلى معركة يمكن كسبها. وهذا بحد ذاته يعيد تعريف ما يمكن أن تحققه الصحة الوقائية عندما تُمنح الأولوية والموارد والإرادة.

وربما الأهم في هذا الإنجاز أنه يبعث برسالة سياسية واضحة: الاستثمار في الوقاية، حين يكون عادلًا وشاملًا، يمكن أن ينقذ أرواحًا أكثر من أي اختراق علاجي لاحق، وأن الصحة ليست مسألة تقنية فقط، بل خيار مجتمعي يعكس قيمة الإنسان، أيًا كان مكان ولادته.

عام 2025، لم يُقضَ على سرطان عنق الرحم بعد، لكنه للمرة الأولى أصبح مرضًا بلا مستقبل مضمون

مالك سعدو

Comments (0)
Add Comment