لسنوات طويلة، كان الأنسولين في الجزائر رمزًا لهشاشة السيادة الصحية. دواء حيوي لمئات آلاف المرضى، مرتبط بتقلبات الاستيراد، وسلاسل التموين، والعملة الصعبة، وأي خلل إداري أو مالي كان كفيلًا بإدخاله دائرة الندرة أو القلق. لم يكن السؤال يومًا هل نملك الأنسولين، بل: هل سيستمر توفره؟
خلال السنوات الأخيرة، بدأ هذا الواقع يتغير تدريجيًا، وبصمت نسبي، بعيدًا عن الخطاب الاحتفالي. لم يحدث ذلك عبر قرار سياسي فجائي، ولا عبر “قفزة تكنولوجية” استثنائية، بل من خلال مسار صناعي بطيء، تراكمي، قاد إلى توطين إنتاج الأنسولين محليًا، بدرجات متفاوتة من الاكتمال، لكن بنتيجة واضحة: الأنسولين لم يعد ملفًا طارئًا في النقاش الصحي الوطني.
اليوم، يتم إنتاج جزء معتبر من احتياجات السوق الوطنية من الأنسولين داخل الجزائر، عبر وحدات صناعية تخضع لمعايير رقابية صارمة نسبيًا، وتعمل بتكنولوجيات ليست رائدة عالميًا، لكنها كافية لضمان الاستمرارية والجودة. هذا التحول، في حد ذاته، لا يبدو ثوريًا عند مقارنته بدول صناعية كبرى، لكنه في السياق الجزائري يحمل دلالة مختلفة تمامًا.
الأنسولين ليس دواءً عاديًا. أي انقطاع فيه لا يعني تأجيل علاج، بل تهديدًا مباشرًا للحياة. لذلك، فإن إخراجه من منطق الاستيراد الكامل إلى منطق الإنتاج المحلي، حتى الجزئي، يُعد انتقالًا من الهشاشة إلى حد أدنى من التحكم. وهو ما انعكس عمليًا في السنوات الأخيرة، حيث اختفى شبح الندرة الواسعة، وتراجعت حالات القلق الجماعي المرتبطة بتوفر الدواء.
لكن المصداقية تفرض التوقف عند الحدود. ما تحقق ليس سيادة دوائية كاملة. المواد الأولية لا تزال في جزء كبير منها مستوردة، والتكنولوجيا ليست محلية بالكامل، وسلاسل القيمة لا تزال مرتبطة بالخارج. بمعنى آخر، الجزائر لم “تخترع” الأنسولين، لكنها نجحت في امتلاك حلقة حاسمة من إنتاجه، وهي خطوة نوعية مقارنة بوضع سابق كان يعتمد كليًا على الخارج.
الأهم في هذا التحول أنه كشف إمكانية واقعية لبناء صناعة دوائية وظيفية، عندما تتوفر ثلاثة شروط: سوق واضحة، حاجة صحية لا تقبل المغامرة، وإرادة تنظيمية تفرض الاستمرارية بدل الحلول الظرفية. الأنسولين لم يُنتج لأنه ملف إعلامي جذاب، بل لأنه ملف لا يحتمل الفشل، وهذا ما منح المشروع قدرًا من الجدية والانضباط.
من زاوية أوسع، فإن تجربة الأنسولين تطرح سؤالًا مركزيًا على السياسة الصحية الجزائرية: هل يمكن تعميم هذا النموذج على أدوية حيوية أخرى، أم سيظل استثناءً فرضته حساسية المرض؟ فبينما نجح المسار هنا نسبيًا، لا تزال ملفات أخرى تعاني من نفس اختلالات الماضي: تبعية، ارتجال، وتأخر في القرار.
ومع ذلك، يبقى ما تحقق في الأنسولين إنجازًا حقيقيًا بالمعنى الصحفي، لا الدعائي. لأنه غيّر واقع المرضى، وقلّص هامش الخطر، وأثبت أن الحديث عن السيادة الصحية ليس بالضرورة خطابًا أيديولوجيًا، بل قد يكون خيارًا عمليًا إذا ارتبط بالحاجة والصرامة.
الأنسولين في الجزائر لم يصبح قصة نجاح مكتملة، لكنه خرج من دائرة الخطر المزمن. وفي بلد اعتاد إدارة الأزمات أكثر من منعها، فإن هذا وحده يُعد انتصارًا صحيًا يستحق أن يُقرأ بهدوء، لا أن يُستعمل كشعار.
مريم عزون