في خطوة علمية بارزة تعكس تطور الفهم الطبي لمرض السكري، أعلن الاتحاد الدولي للسكري عن الاعتراف رسميًا بنوع خامس من داء السكري، بعد سنوات طويلة من الجدل والإهمال العلمي. ويُنتظر أن يشكّل هذا القرار منعطفًا مهمًا في تشخيص المرض وعلاجه، خصوصًا في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط، حيث ظل هذا الشكل من السكري غير مُعرّف بدقة لعقود.
هذا النوع الجديد، الذي كان يُعرف سابقًا باسم «داء السكري المرتبط بسوء التغذية»، يتميز بخصائص مرضية مختلفة عن الأنواع المعروفة. فهو لا يرتبط بالسمنة أو بنمط الحياة، كما هو الحال في السكري من النوع الثاني، ولا ينتج عن هجوم مناعي ذاتي على خلايا البنكرياس كما في النوع الأول. وتشير الأبحاث الحديثة إلى أن أسبابه تعود أساسًا إلى سوء التغذية المزمن في مراحل مبكرة من الحياة، ما يؤثر على النمو الطبيعي للبنكرياس وقدرته على إفراز الإنسولين.
تاريخ هذا المرض يعود إلى خمسينيات القرن الماضي، حين سُجلت أولى الحالات في جامايكا، قبل أن يُلاحظ لاحقًا في عدة دول من آسيا وإفريقيا. ورغم أن منظمة الصحة العالمية كانت قد اعترفت به مؤقتًا في ثمانينيات القرن الماضي، فإن غياب الأدلة الكافية آنذاك أدى إلى سحب هذا التصنيف في نهاية التسعينيات، ما دفع ملايين المرضى إلى الوقوع في خانة التشخيص الخاطئ، وغالبًا ما عولجوا ببروتوكولات غير ملائمة لحالتهم.
الدراسات السريرية الحديثة، خصوصًا تلك التي أُجريت في جنوب آسيا، أظهرت أن المصابين بهذا النوع من السكري يعانون من نقص في إفراز الإنسولين دون وجود مقاومة له، وهو ما يميّزهم بوضوح عن مرضى السكري من النوع الثاني. هذا الاختلاف الجوهري يفسر فشل بعض العلاجات التقليدية، بل ويكشف أن استخدام بروتوكولات غير مناسبة قد يؤدي إلى مضاعفات صحية إضافية.
ويقدّر خبراء الصحة أن هذا النوع من السكري قد يصيب نحو 25 مليون شخص حول العالم، معظمهم في مناطق تعاني من الهشاشة الغذائية. ومن هنا، فإن الاعتراف الرسمي به لا يحمل بعدًا علميًا فحسب، بل يطرح أيضًا قضية صحية واجتماعية عالمية، تتعلق بعدالة الوصول إلى التشخيص السليم والعلاج المناسب.
استجابةً لهذا التحدي، بادر الاتحاد الدولي للسكري إلى إنشاء مجموعة عمل متخصصة تُعنى بوضع معايير تشخيص دقيقة، وإعداد توصيات علاجية قائمة على الأدلة العلمية، إلى جانب تعزيز البحث في هذا المجال الذي ظل مهمشًا لسنوات طويلة. كما يُنتظر أن يفتح هذا الاعتراف الباب أمام تمويل أوسع للأبحاث، وتكوين الكوادر الطبية على التعرف على هذا النوع والتعامل معه بفعالية.
يمثل إدراج السكري من النوع الخامس في التصنيفات الرسمية خطوة متقدمة نحو فهم أكثر شمولًا وتعقيدًا لمرض عالمي متعدد الأوجه. وهو في الوقت نفسه تذكير بأن التقدم الطبي لا ينفصل عن السياقات الاجتماعية والاقتصادية، وأن سوء التغذية والفقر ليسا مجرد مشكلات تنموية، بل عوامل مرضية قادرة على إعادة تشكيل الخريطة الصحية للعالم.
فاطمة الزهراء عاشور