الزبادي في ميزان العلم: ما الذي تقوله الدراسات الأصلية عن تأثيره على الميكروبيوم والصحة؟

أعادت الأبحاث العلمية الحديثة الزبادي إلى صدارة النقاش العلمي حول التغذية الوظيفية، ليس بوصفه منتجًا تقليديًا من مشتقات الحليب فحسب، بل كغذاء مدعوم بأدلة تجريبية منشورة في مجلات علمية محكّمة توضح علاقته المباشرة بالميكروبيوم المعوي وعدد من المؤشرات الصحية.

تشير دراسة واسعة النطاق نُشرت في مجلة BMC Microbiology إلى أن استهلاك الزبادي يرتبط بزيادة قابلة للقياس في وفرة بعض السلالات البكتيرية المفيدة، وعلى رأسها Streptococcus thermophilus وBifidobacterium animalis subsp. lactis، وهما السلالتان الأساسيتان المستخدمتان في تخمير الزبادي. وقد أظهرت الدراسة، التي اعتمدت على تقنيات متقدمة مثل تسلسل الحمض النووي الريبوزي 16S والتحليل الجينومي الشامل، أن هذه الزيادة ترافقها تحولات إيجابية في خصائص الميكروبيوم لدى المستهلكين المنتظمين للزبادي.

الأهمية العلمية لهذه النتائج لا تكمن فقط في رصد وجود بكتيريا الزبادي في الأمعاء، بل في ارتباط استهلاك الزبادي بانخفاض ملحوظ في الدهون الحشوية لدى بعض المشاركين، وهو مؤشر يرتبط علميًا بتراجع مخاطر الاضطرابات الأيضية، مثل مقاومة الإنسولين وأمراض القلب. هذه المعطيات تعزز الفرضية القائلة إن التفاعل بين الأغذية المخمرة والميكروبيوم قد يتجاوز التأثير الهضمي ليشمل الصحة الأيضية العامة.

وفي دراسة أخرى منشورة في مجلة Microorganisms، قام الباحثون بتقييم تأثير استهلاك الزبادي بشكل يومي ولمدة 42 يومًا لدى بالغين أصحاء. وأظهرت النتائج تغيرات فردية في تركيبة الميكروبيوم، خاصة في مجموعات Lactobacillus وBifidobacterium. ورغم أن هذه السلالات لم تستقر بشكل دائم في الأمعاء، إلا أن وجودها المؤقت كان كافيًا لإحداث تعديلات وظيفية في البيئة المعوية، وهو ما يدعم فكرة أن التأثير الصحي لا يشترط الاستيطان الدائم للبكتيريا المستهلكة.

كما بيّنت تحليلات منشورة في قواعد بيانات علمية مثل PubMed، شملت فئات عمرية مختلفة، أن الاستهلاك المنتظم للزبادي يرتبط بملامح ميكروبيومية أكثر توازنًا، خصوصًا لدى كبار السن. وقد لوحظ ارتفاع في بعض البكتيريا المرتبطة بوظائف هضمية ومناعية أفضل، مقابل تراجع نسبي في سلالات ارتبطت في دراسات سابقة بحالات التهابية أو صحة معوية أضعف.

من منظور علمي صارم، يؤكد الباحثون أن الزبادي ليس علاجًا بحد ذاته، ولا يمكن فصله عن نمط الحياة والتغذية العامة. فالتأثيرات الإيجابية التي رصدتها الدراسات تعتمد على عدة عوامل، من بينها نوع الزبادي، احتواؤه على بكتيريا حية فعالة، وغياب الإضافات السكرية العالية التي قد تعاكس هذه الفوائد.

خلاصة القول، تُظهر الدراسات العلمية الأصلية أن الزبادي يمثل مثالًا واضحًا على التقاء التغذية بالعلم الميكروبي. فهو غذاء قادر، وفق الأدلة التجريبية المتوفرة، على التأثير في تركيبة الميكروبيوم البشري وعلى بعض المؤشرات المرتبطة بالصحة الأيضية والمناعية. غير أن العلم لا يزال يؤكد أن هذه النتائج تحتاج إلى مزيد من الدراسات الطولية لفهم آلياتها الدقيقة وتحديد آثارها طويلة المدى بدقة أكبر.

فاطمة الزهراء عاشور

Comments (0)
Add Comment