بمناسبة اليوم العالمي لداء الانسداد الرئوي المزمن (BPCO)، دقّت البروفيسور فريال شاوقي، رئيسة مصلحة أمراض الصدر بالمستشفى الجامعي لقسنطينة، ناقوس الخطر بشأن الارتفاع المتواصل في عدد الحالات بالجزائر، مؤكّدة أنّ المرض يتطوّر في الخفاء ويُشخّص غالباً في مراحل متقدمة، حيث يصبح التحكم فيه أكثر صعوبة. وفي حديثها لصحيفة «الصحة»، شدّدت على ضرورة تعزيز الوقاية والكشف المبكر والتكفّل المتخصص للحدّ من انتشار المرض وأعبائه الصحية.
توضح البروفيسور شاوقي أنّ داء الانسداد الرئوي المزمن هو التهاب تنفسي مزمن يؤدي تدريجياً إلى انسداد غير قابل للشفاء بشكل كامل في الشعب الهوائية. ورغم أن المرض يبدأ بأعراض بسيطة، إلا أنها غالباً ما تُهمَل: سعال مزمن، إفرازات صباحية ناتجة عن احتقان ليلي، وضيق في التنفس يظهر تدريجياً عند المجهود. وتشير إلى أنّ هذه العلامات، خصوصاً لدى المدخنين أو العاملين في بيئات مليئة بالغبار والدخان والغازات، يجب أن تدفع إلى إجراء اختبار بسيط وسريع هو قياس التنفس، لأنه يمكّن من اكتشاف المرض قبل تحوّله إلى حالة دائمة.
ورغم أنّ التدخين يظل العامل الأبرز المسبب للمرض—إذ يقف وراء أكثر من 80٪ من الحالات—إلا أنّ البروفيسور شاوقي تلفت الانتباه إلى عوامل أخرى لم تعد أقل خطورة، خاصة في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل. فالتعرض لملوثات الهواء داخل المنازل بسبب استعمال الخشب أو الفحم في الطهي والتدفئة، وكذلك الملوثات الصناعية في المناطق الحضرية، أصبح عاملاً رئيسياً في ظهور المرض. وتضيف أنّ حوالي 15٪ من الحالات تعود إلى التعرض المهني للغبار والمواد الكيميائية، وفي حالات غير المدخنين قد تصل مساهمة هذه العوامل إلى 40٪، ما يجعل المرض أبعد من أن يُختزل في التدخين وحده.
وتؤكد شاوقي أن تطور العلاجات خلال السنوات الأخيرة ساهم في تحسين نوعية حياة المرضى بشكل ملحوظ. فقد أصبحت أجهزة الاستنشاق أكثر فعالية في إيصال الدواء إلى الرئتين، كما أثبتت التركيبات الدوائية الحديثة—مثل الجمع بين موسعات الشعب طويلة المفعول أو إضافة الكورتيكويدات الاستنشاقية—قدرتها على تقليل نوبات تفاقم المرض وتحسين التنفس. وفي المقابل، اكتسبت برامج التأهيل التنفسي أهمية محورية، لأنها تجمع بين التمرين البدني، وتقوية العضلات، وتقنيات تحسين التهوية، والتربية العلاجية، مما يساعد المرضى على استعادة القدرة على الحركة وتقليل فترات إعادة الإدماج في المستشفى.
ولا يقتصر التكفّل بالمرض على الجانب الدوائي فقط. فحسب البروفيسور شاوقي، أصبح الحفاظ على استقلالية المرضى هدفاً رئيسياً في المتابعة طويلة المدى: من العلاج بالأكسجين في المنزل، إلى أجهزة التهوية غير الغازية للمرضى الذين يعانون من ارتفاع ثاني أكسيد الكربون، مروراً بمرافقة الإقلاع عن التدخين واستخدام التطبيقات الرقمية للتتبّع اليومي. وتعتبر هذه الوسائل اليوم عناصر أساسية لضمان حياة يومية أقل تقييداً وأكثر جودة.
أما على مستوى الصحة العمومية، فتدعو شاوقي إلى رؤية شاملة تتجاوز التفكير الطبي التقليدي. وتؤكد أنّ أولويات الجزائر يجب أن تبدأ بمكافحة التدخين من خلال تشديد الرقابة على الإعلانات، وفرض ضرائب مرتفعة، وتعميم فضاءات خالية من التدخين، مع توفير برامج فعّالة ومجانية للإقلاع عنه. كما شدّدت على ضرورة وضع خطط لمراقبة تلوث الهواء، سواء في الأحياء الحضرية أو في المنازل التي تستعمل الوقود التقليدي، إضافة إلى تشديد الرقابة في أماكن العمل لحماية العمال من التعرض المستمر للغبار والمواد الكيميائية.
وتختم البروفيسور شاوقي بدعوة واضحة: “الكشف المبكر هو خط الدفاع الأول”. وتشدد على ضرورة إدراج قياس التنفس في عيادات الطب العام، وتكوين الأطباء حول التشخيص المبكر للمرض، إلى جانب تطوير سجل وطني لرصد الحالات ونوبات التفاقم. وترى أن الاستثمار في التأهيل التنفسي، والتلقيح ضد الأنفلونزا والالتهاب الرئوي، وتوفير الأدوية الأساسية بأسعار مقبولة، هي خطوات ستسمح بتخفيف العبء الوطني للمرض وتغيير واقع آلاف المرضى في الجزائر.
إنه مرض يتقدّم بصمت، لكن سبل مواجهته معروفة… ويبقى تطبيقها مسؤولية صحية عاجلة.
مريم عزون