أطلقت منظمة الصحة العالمية تحذيرًا جديدًا حول أحد أخطر التداعيات الخفية لاستهلاك التبغ والتعرض لدخانه، مؤكدة أن هذه الآفة لا تقتصر على تدمير رئات المدخنين أو التسبب في السرطان وأمراض القلب، بل تمتد آثارها لتعيق نمو ملايين الأطفال حول العالم. في أحدث تقرير لها، أشارت المنظمة إلى أن نحو 150 مليون طفل يعانون من تخلّف في النمو، غالبيتهم في أفريقيا وآسيا، وأن جزءًا معتبرًا من هذه المأساة يرتبط مباشرة بتعرّضهم للتبغ منذ مرحلة الحمل أو خلال سنواتهم الأولى.
فالأم التي تدخن أثناء الحمل تعرض جنينها لمخاطر جسيمة، بدءًا من الولادة المبكرة وانخفاض وزن المولود، وصولًا إلى تقييد النمو داخل الرحم، وهو ما يُسجل لاحقًا في شكل قصور دائم يُعرّف طبيًا بـ”التقزّم”. أما بعد الولادة، فإن استنشاق الطفل لدخان التبغ يجعله أكثر عرضة للتهابات الجهاز التنفسي والتأخر في التطور البدني. ورغم هذه الحقائق الصادمة، لا يزال التدخين السلبي يحاصر ملايين الأسر في منازل وأماكن عامة غير محمية.
التقرير يوضح أيضًا أن الإقلاع عن التدخين في مرحلة مبكرة، خصوصًا أثناء الحمل، يقلل بشكل ملموس من المخاطر ويحسّن فرص الطفل في النمو الطبيعي. وهو ما يجعل من دعم برامج الإقلاع وتطبيق القوانين التي تحظر التدخين في الأماكن المغلقة خطوات ضرورية وليست اختيارية. وفي هذا السياق، شددت المنظمة على التزامات الدول ضمن “اتفاقية مكافحة التبغ” وتوصياتها العملية المعروفة باسم “MPOWER”، التي تركز على حماية غير المدخنين وتقييد الترويج للتبغ وتقديم الدعم العلاجي للمُقلعين.
الرسالة واضحة وصادمة في آن واحد: كل سيجارة لا تُهدد حياة المدخن فحسب، بل قد تسرق من طفل لم يولد بعد حقه في النمو الطبيعي. ومن هنا يصبح التصدي للتبغ مسؤولية أخلاقية ومجتمعية قبل أن يكون مجرد خيار صحي فردي.
مريم عزون