المياه البيضاء والتنكس البقعي: أمراض تبدأ من أشعة الشمس

لا يختلف اثنان على أن أشعة الشمس مصدر للحياة والطاقة، لكنها في الوقت نفسه تحمل جانبًا خفيًا من الخطر حين يتعلق الأمر بالعينين. فالتعرض المتكرر للأشعة فوق البنفسجية لا يترك أثره فورًا، بل يتراكم بصمت عبر السنوات، ليُترجم في النهاية إلى أمراض مزمنة تُعتبر من الأسباب الرئيسية لفقدان البصر في العالم. وتشير منظمة الصحة العالمية (WHO) إلى أن ما يقارب 20% من حالات المياه البيضاء حول العالم مرتبطة بشكل مباشر بالتعرض المفرط للأشعة فوق البنفسجية.

المياه البيضاء، أو ما يعرف شعبيًا بـ«الكاتاراكت»، تصيب عدسة العين التي تعمل كعدسة تصوير شفافة داخلية. مع الزمن وبسبب تراكم الأشعة فوق البنفسجية، تبدأ العدسة في فقدان شفافيتها، فتظهر عتامة تدريجية تجعل الرؤية ضبابية، كما لو أن المرء ينظر من خلال زجاج متسخ. في المراحل الأولى، يمكن للنظارات الطبية أن تساعد قليلاً، لكن مع تفاقم الحالة يصبح الحل الوحيد هو التدخل الجراحي لتغيير العدسة. وبحسب الجمعية الأميركية لطب العيون (AAO)، يُعد الساد من الأسباب الأولى للعمى القابل للعلاج، ما يجعل الوقاية المبكرة أكثر جدوى وأقل تكلفة من العلاج.

أما التنكس البقعي المرتبط بالعمر (DMLA)، فيصيب البقعة الصفراء وهي الجزء المركزي من الشبكية المسؤول عن الرؤية الدقيقة والقراءة والتفاصيل. وحسب المعهد الوطني الأميركي للعيون (NEI)، فإن هذا المرض هو السبب الأول لفقدان البصر غير القابل للعلاج بين من تجاوزوا 60 عامًا. حين تتعرض هذه المنطقة الحساسة للأشعة فوق البنفسجية على مدى سنوات، تبدأ الخلايا البصرية في التلف، ليجد المريض نفسه غير قادر على قراءة كتاب أو التعرف على ملامح شخص أمامه، رغم أنه قد يحتفظ بجزء من الرؤية الجانبية. حتى اليوم، لا علاج شافياً لهذا المرض، وكل ما يمكن فعله هو محاولات لإبطاء تقدمه عبر أدوية أو حقن خاصة، وهو ما يجعل الوقاية أفضل سلاح.

الأطباء يشددون على أن هذه الأمراض ليست قدراً محتوماً مع تقدم العمر، بل يمكن تقليل مخاطرها بشكل كبير عبر خطوات بسيطة: ارتداء نظارات شمسية معتمدة تمنع 99% من الأشعة فوق البنفسجية، تجنب التعرض للشمس في ساعات الذروة، واستعمال قبعات واقية عند الضرورة. وتشير الأكاديمية الأوروبية لطب العيون إلى أن البدء بالوقاية في سن مبكرة يقلل من احتمال الإصابة بهذه الأمراض بنسبة معتبرة.

الواقع أن كثيرًا من المرضى لا يربطون بين معاناتهم المتأخرة وأشعة الشمس التي استهانوا بها في شبابهم. لكن الدراسات تؤكد أن العيون تحفظ الذاكرة الصامتة لكل لحظة تعرض غير محمي، حتى وإن مرت عقود قبل أن يظهر أثرها. وهنا تكمن خطورة هذه الأمراض: بدايتها غير محسوسة، تطورها بطيء، لكن نتائجها مأساوية على حياة الإنسان.

إن المياه البيضاء والتنكس البقعي ليسا مجرد أمراض عابرة، بل هما الثمن الذي يدفعه الإنسان مقابل الاستهانة بوقاية بسيطة. وفي بلد مثل الجزائر، حيث الشمس حاضرة طيلة العام تقريبًا، تصبح الحماية ضرورة يومية لا تقل أهمية عن أي إجراء صحي آخر. فالعين لا تعوض، وما نخسره منها لا نستعيده أبدًا.

مالك سعدو

Comments (0)
Add Comment