في عز الصيف، حين ينشغل الناس بالبحث عن واقيات للبشرة أو قبعات تقيهم ضربة الشمس، تبقى العيون في مواجهة صامتة مع أخطر أشعة لا تُرى بالعين المجردة. إنها الأشعة فوق البنفسجية، التي تخترق الأجواء لتصل مباشرة إلى البصر، فتترك آثاراً آنية وأخرى تتراكم بصمت على مدى السنوات. كثيرون يظنون أن الشمس تضر فقط بالبشرة، لكن الحقيقة أن العين هي الضحية الخفية لهذه الأشعة، إذ يكفي التعرض المباشر لها لتبدأ علامات الإنذار المبكر: احمرار حاد، دموع متواصلة، حساسية مفرطة للضوء، كلها مؤشرات على ما يشبه “ضربة شمس عينية” قد تتحول سريعاً إلى التهاب مؤلم في القرنية يجعل الرؤية مشوشة وفتح العين مهمة صعبة.
غير أن الخطر الأكبر لا يظهر مباشرة. فمع تكرار التعرض، تتسارع عملية تشكل المياه البيضاء التي تحجب وضوح الرؤية، كما تزداد احتمالية الإصابة بالتنكس البقعي المرتبط بالتقدم في السن، وهو اليوم السبب الأول للعمى عند كبار السن حول العالم. والأخطر أن بعض الأنسجة البيضاء قد تبدأ في النمو فوق القرنية، مشكلة ما يُعرف بالظفرة، وهي تغيرات لا يمكن علاجها أحياناً إلا بالجراحة.
وإذا كان الكبار معرضين لهذه الأخطار، فإن الأطفال أشد هشاشة أمامها، لأن أعينهم في طور النمو وتمتص الأشعة الضارة بشكل أكبر بكثير، ما يجعل أي إهمال للحماية في سنوات الطفولة بمثابة زرع لمشكلات بصرية مستقبلية قد لا تظهر إلا بعد عقود. إنها أضرار تتسلل بصمت، لا يشعر بها الإنسان لحظة وقوعها، لكنها تتراكم ببطء حتى تتحول إلى أمراض مزمنة تهدد أثمن الحواس.
الحماية هنا ليست رفاهية ولا ترفاً موسمياً، بل هي إجراء وقائي أساسي يبدأ بارتداء نظارات شمسية معتمدة ذات عدسات مضادة للأشعة فوق البنفسجية، مع الحرص على تجنب الخروج في أوقات الذروة حيث تكون أشعة الشمس أكثر قسوة. والأهم أن نعلّم الأطفال هذه العادة منذ الصغر، لأن ما نحميه اليوم قد يكون هو ما ينقذ بصرهم غداً. فالعين التي تهمل حمايتها أمام الشمس، قد تدفع ثمن ذلك غالياً بعد سنوات، حين يفقد الإنسان جزءاً من نوره الداخلي بصمت، دون أن يكون قادراً على استعادته.
مالك سعدو