هواء مسموم: حافلات تتحول إلى مصائد صامتة للصحة

في شوارع المدن الكبرى، حيث الازدحام لا يهدأ وصوت المحركات لا ينقطع، يجد المواطن نفسه يوميًا محاصرًا داخل حافلات مكتظة، لا يملك فيها سوى خيار التكيّف مع هواء ثقيل مشبع بالدخان والملوثات. الرحلة التي لا تتجاوز نصف ساعة قد تترك أثرًا طويل المدى في الرئتين، وربما في القلب والدماغ أيضًا.

داخل هذه الحافلات، يتجمع دخان محركات الديزل مع انعدام التهوية وتعطل أجهزة التكييف، لتتحول إلى ما يشبه غرفة مغلقة مليئة بالغازات الضارة. الأطباء يحذرون من أن هذه البيئة ترفع بشكل مباشر نسبة الإصابة بأزمات الربو والتهابات الشعب الهوائية، خاصة لدى الأطفال وكبار السن ومرضى الجهاز التنفسي المزمن. لكن الخطر لا يقف عند هذا الحد؛ فالملوثات الدقيقة الناتجة عن احتراق الوقود قادرة على اختراق مجرى الدم، ما يزيد من احتمالات الجلطات القلبية والدماغية، وفق ما تؤكده دراسات علمية حديثة.

الركاب أنفسهم صاروا يدركون هذا الخطر، حتى وإن لم يكن لديهم مصطلحات طبية لتوصيفه. “حين أنزل من الحافلة أشعر بصداع وضيق في التنفس”، يقول شاب يعمل يوميًا في التنقل بين ضواحي العاصمة، مضيفًا أن رائحة الدخان الخارج من المحرك تلتصق بالملابس والشعر لساعات طويلة. أما الأمهات اللواتي يضطررن لاستخدام الحافلات مع أطفالهن، فيصفن المشهد بأنه يضاعف القلق على صحة الصغار.

المفارقة أن وسائل النقل العمومي، المفترض أن تخفف الضغط عن الطرقات وتقلل من التلوث، تتحول في غياب شروط السلامة إلى مصدر إضافي للأمراض. فبين الحافلات المهترئة التي تجاوز عمرها الافتراضي، وغياب الصيانة الدورية، لا يجد الراكب سوى أن يحتمي بمنديل ورقي أو بكمامة مستهلكة في مواجهة هواء مسموم.

الأطباء يشددون على أن الحل لا يكمن فقط في تجديد الأسطول وتوفير حافلات مطابقة للمعايير البيئية، بل أيضًا في اعتماد خطط تهوية داخلية ومعايير صارمة لمستويات الانبعاثات. فكل رحلة آمنة قد تعني وقاية لمئات الرئات، وكل إصلاح في منظومة النقل قد يختصر مئات الحالات داخل مصالح الاستعجالات.

إلى أن يتحقق ذلك، يبقى النقل العمومي في الجزائر وغيرها من المدن المماثلة تحديًا مزدوجًا: وسيلة ضرورية للتنقل، ومصدرًا صامتًا للأمراض. وبين الحاجة اليومية والهاجس الصحي، يظل المواطن عالقًا في معادلة غير عادلة: التنقل مقابل التنفس.

مريم عزون

Comments (0)
Add Comment