حادثة سقوط الحافلة في واد الحراش لم تكن مجرد مشهد مأساوي صدم الجزائريين، بل جرس إنذار يذكرنا بأن النقل العمومي ليس مجرد وسيلة للتنقل، بل قضية ترتبط مباشرة بالصحة العامة وحياة الناس. فكل حادث مروري من هذا النوع لا يترك خلفه فقط صورًا مؤلمة، بل يخلّف أيضًا عشرات الضحايا الذين يحتاجون إلى علاج طويل الأمد، وبعضهم يواجه إعاقات دائمة تغير مسار حياتهم وحياة أسرهم.
الأطباء يؤكدون أن الحوادث المرورية تمثل أحد أهم أسباب الضغط على أقسام الاستعجالات في المستشفيات، حيث تستقبل سنويًا آلاف المصابين، بينهم أطفال وشباب وكبار سن. كما أن علاج الإصابات الناتجة عن مثل هذه الحوادث يستنزف موارد طبية وبشرية هائلة، ما يجعلها قضية تتجاوز الجانب المروري لتصبح تحديًا صحيًا حقيقيًا.
وما يزيد خطورة الوضع أن تأثير الحافلات القديمة لا يقتصر على الحوادث الكبرى، بل يمتد إلى تفاصيل يومية يواجهها المواطن العادي: الازدحام الخانق داخل الحافلات، غياب التهوية المناسبة، المقاعد المتهالكة، والانبعاثات الصادرة عن محركات قديمة تعمل في ظروف صعبة. كل هذه العوامل تؤثر على صحة الركاب بشكل مباشر، خاصة الأشخاص الذين يعانون من أمراض تنفسية مزمنة مثل الربو، إضافة إلى كبار السن والأطفال الذين يعتبرون الفئة الأكثر هشاشة أمام هذه الظروف.
الخبراء في الصحة العامة يربطون بشكل متزايد بين النقل العمومي وحماية الصحة. يشير بعض الأطباء إلى أن توفير وسائل نقل آمنة ومريحة يسهم في تقليل نسب الإصابات والوفيات، ويخفف الضغط على المنظومة الصحية. بل إن بعضهم يعتبر أن الاستثمار في حافلة جديدة أو وسيلة نقل عمومية حديثة يعادل من زاوية الوقاية بناء جناح جديد في مستشفى، لأن الوقاية دائمًا أقل تكلفة من العلاج.
من هنا، فإن وعي المجتمع بخطورة الوضع يصبح أمرًا أساسيًا، ليس فقط من أجل المطالبة بخدمات أفضل، بل أيضًا من أجل تعزيز ثقافة السلامة المرورية، وتشجيع استخدام وسائل النقل بطريقة مسؤولة تحترم القواعد وتجنب السلوكيات التي تعرض حياة الركاب للخطر. فالصحة تبدأ من الطريق كما تبدأ من البيت والمستشفى، وكل خطوة نحو نقل أكثر أمانًا هي خطوة نحو مجتمع أكثر صحة.
إن حادثة واد الحراش يجب أن تبقى في الذاكرة الجماعية ليس كمأساة عابرة، بل كرسالة واضحة بأن الحفاظ على حياة الناس وصحتهم لا يتحقق فقط بالأدوية والمستشفيات، بل أيضًا بضمان وسيلة نقل آمنة، نظيفة، تحمي الركاب من الإصابات والأمراض. فالصحة ليست مجرد علاج، بل وقاية تبدأ منذ اللحظة التي يخرج فيها المواطن من بيته إلى عمله أو جامعته.
مريم عزون